ابن كثير

488

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [ الإسراء : 110 ] فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه وسبوا من أنزله وسبوا من جاء به ، فأمره اللّه تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم ، وليتخذ سبيلا بين الجهر والإسرار ، وكذا قال في هذه الآية الكريمة وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ . وقد زعم ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة . وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به ، ثم إن المراد بذلك في الصلاة كما تقدم أو في الصلاة والخطبة ، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان ، سواء كان سرا أو جهرا ، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه ، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال ، لئلا يكونوا من الغافلين ، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فقال إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ الآية ، وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم . ولهذا شرع لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم للّه عز وجل ، كما جاء في الحديث « ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصفوف الأول فالأول ويتراصون في الصف » « 1 » وهذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع ، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجة عن أبي الدرداء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه عدها في سجدات القرآن . آخر سورة الأعراف وللّه الحمد والمنّة

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 119 ، وأبو داود في الصلاة باب 93 ، 96 ، والنسائي في الإمامة باب 28 ، وابن ماجة في الإقامة باب 50 ، وأحمد في المسند 2 / 98 ، 5 / 101 .